اسماعيل بن محمد القونوي
295
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
موسى بلا تقدير مضاف اكتفاء بقرينة الاستعمال وإن كان المعنى على تقدير مضاف فإنه شاع استعماله على هذا ألا يرى أن الشخص إذا ذهب أو مات أو عزل يقال بعد فلان ولا يلاحظون الحذف كما لا يلاحظون متعلق الظرف المستقر قوله أو مضيه بناء على اعتبار حذف المضاف لأن أصل المعنى عليه والمآل واحد ومن غفل عن ذلك اعترض بأن اتخاذ العجل من بعد موسى يقتضي أن يكون موسى متخذا إلها قيل ذلك كما لا يخفى على العارف بسياق الكلام فلذا اقتصر في الكشاف على التوجيه الثاني انتهى وجه الغفلة إن معنى من بعد موسى بعد مضيه على التجوز الشائع في الإسناد بحيث صار حقيقة عرفية ونقل عن البعض أنه قال أي من بعد وفاة موسى أو مضيه إلى الطور انتهى وهذا سهو فاحش كأنه لم ينظر إلى ما في سورة الأعراف وسورة طه من الآيات الكثيرة بأنه في حياة موسى عليه السّلام حتى قال للسامري وهو صاغه من حلي القبط التي اشتراها منهم بنو إسرائيل حين هموا بالخروج عن مصر والحلي التي ألقاها البحر على الساحل بعد إغراقهم وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً [ طه : 97 ] ومثل هذه الهفوة تحتاج إلى التوبة . قوله : ( بإشراككم ) جعل قوله وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ حالا ولو جعل مستأنفا أو معترضا لكان المعنى وعادتكم الظلم فلا يبعد منكم فعل قبيح قيل فائدة التقييد بالحال الإشعار يكون الاتخاذ ظلما بزعمهم « 1 » أيضا لو راجعوا عقولهم بأدنى تأمل وفيه ما فيه إذ ما ذكر مستفاد من الخارج ومطابق في نفس الأمر إلا التقييد بالحال وإلا لوجب اعتبار مثل ذلك في كل موضع يقيد بالحال ولا يخفى بعده . قوله : ( بإشراككم ) أي إشراككم الحادث وقت الاتخاذ وبسبب الاتخاذ وهذا لا يلائم قوله تعالى نقل عن عبدة العجل هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ [ طه : 88 ] الآية فإن المفهوم منه قصير الإلهية عليه لا الإشراك فتدبر ثم هنا لتفاوت ما بين فعلهم القبيح وبين لطفه تعالى في شأنهم فيفيد التراخي الرتبي ومن بعد ذلك يفيد التراخي الزماني فلا تكرار قوله أي الاتخاذ في تفسير من بعد لك يشعر بما ذكرناه . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 52 ] ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 52 ) قوله : ( حين تبتم ) إذ عفو الشرك لا يكون بلا توبة . قوله : ( والعفو محو الجريمة ) هذا معنى شرعي له مأخوذ ( من عفا إذا درس ) كل من الفعلين يتعدى ولا يتعدى كما نقل عن الصحاح الجوهري . النعم على الغير وهو غير شاكر لها غير ملتفت إليها والمنعم لا يقطع خيره رجاء أن يقلع عن فعله ثم استعمل هنا ما كان مستعملا هناك نعيا عليهم بالتمادي في الغفلة والتناهي في كفران النعمة .
--> ( 1 ) الشكر في اللغة عرفان الإحسان بالجنان ونشره باللسان لكن المراد هنا وفي مثله الشكر العرفي وهو صرف العبد وجميع ما أنعم عليه إلى ما خلق له .